في عالم الاقتصاد لا تمثل حركة الأسعار مجرد أرقام تتغير على لوحات التداول، بل هي انعكاس مباشر لتوازن القوى بين النقود والسلع ولحالة النشاط الاقتصادي نفسه، أما عن التضخم والانكماش فهما ليسا مجرد مصطلحات نظرية، بل واقع يعيشه كل مستهلك وكل شركة يوميًا، ويحدد مستوى القوة الشرائية وقدرة الاقتصاد على النمو. في هذا المقال من مدونة LDN سنتعرف على آليات التضخم والانكماش وأسبابها وتأثيرها على المستهلك والشركات، وعلاقتها بالركود، وأهم الأدوات التي تعتمدها الحكومات لمحاربة التضخم وضبط الاقتصاد، بأسلوب واضح وسلس يقدمه خبراء الاقتصاد لدى LDN Global Markets.
أهم النقاط حول التضخم والانكماش والركود
- التضخم يعني ارتفاع مستمر في الأسعار وفقدان النقود جزءًا من قيمتها وليس مجرد غلاء مؤقت.
- الانكماش هو انخفاض مستمر في الأسعار، ما يزيد قيمة النقود لكنه يضعف النشاط الاقتصادي ويهدد الاستقرار على المدى الطويل.
- التضخم ينشأ من زيادة الطلب على السلع والخدمات وارتفاع تكاليف الإنتاج وضخ سيولة كبيرة أو توقعات الغلاء التي تحفز الشراء المسبق.
- الانكماش يبدأ عادة من ضعف الطلب أو انخفاض الثقة أو ارتفاع الادخار أو تقليص الاستثمار أو ضغط القروض والفوائد، ما يخلق دورة هبوطية مستمرة للأسعار والنشاط الاقتصادي.
- الركود الاقتصادي هو تراجع النشاط العام لفترة ممتدة، ويؤدي لانخفاض الإنتاج وضعف الإنفاق وارتفاع البطالة وتراجع الثقة.
- الركود يمكن أن يصاحبه تضخم (ركود تضخمي) أو انكماش، وكل حالة تتطلب معالجة مختلفة.
- مؤشر أسعار المستهلك (CPI) أداة رئيسية لقياس التضخم اليومي والسنوي، ويعكس تغير القوة الشرائية ويحدد اتجاه السياسات الاقتصادية.
- مكافحة التضخم عملية متكاملة، تحتاج توازن بين ضبط الأسعار والحفاظ على النمو الاقتصادي، مع استجابة سريعة للمتغيرات الاقتصادية.
تعريف التضخم والانكماش
يُعد كل من التضخم والانكماش مصطلحان متقابلان يؤثران بشكل كبير على حالة الأسواق الاقتصادية ولكل منهما أسباب ونتائج هامة إيجابية وسلبية، وفيما يلي نتعرف على كل منهما بالتفصيل:
التضخم الاقتصادي
حالة اقتصادية تتآكل فيها قيمة النقود تدريجيًا لأن الأسعار في السوق ترتفع بصورة عامة ومستمرة، ليس في سلعة واحدة بل في معظم ما نشتريه ونستهلكه. بمعنى أدق، التضخم يعني أن نفس الجنيه الذي كان يملأ سلة مشترياتك في الماضي، يعود بعد فترة ليملأ جزءًا أصغر منها لأن تكلفة المعيشة نفسها أصبحت أعلى.
ينشأ التضخم عندما يبدأ الطلب على السلع والخدمات في التفوق على قدرة الاقتصاد على إنتاجها، أو عندما ترتفع تكاليف الإنتاج مثل الأجور والطاقة والمواد الخام، أو عندما تُضخ كميات كبيرة من النقود في الاقتصاد دون أن يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج.
في هذه الحالة، لا ترتفع الأسعار لأن السلع أصبحت أفضل، بل لأن قيمة النقود نفسها أصبحت أضعف فتحتاج إلى كمية أكبر منها لشراء نفس الشيء.
بالتالي، التضخم ليس مجرد “غلاء”، بل هو تغير في ميزان القوة بين المال والسلع، حيث تخسر العملة جزءًا من وزنها الحقيقي داخل الاقتصاد.
الانكماش الاقتصادي
على عكس التضخم تمامًا، الانكماش هو حالة اقتصادية تبدأ فيها الأسعار بالانخفاض بشكل عام ومستمر، لأن الطلب في السوق يتراجع أو لأن النشاط الاقتصادي يضعف.
في هذه الحالة، تزداد قيمة النقود مع مرور الوقت لأن نفس المبلغ يستطيع شراء سلع وخدمات أكثر مما كان يستطيع سابقًا.
ظاهريًا يبدو الانكماش مغريًا، لأن القوة الشرائية للمال ترتفع لكن في حقيقة الأمر يحمل آثارًا خطيرة، فحين يتوقع الناس أن الأسعار ستنخفض أكثر في المستقبل، يؤجلون الشراء ما يقلل المبيعات ويضغط على أرباح الشركات ويدفعها إلى خفض الإنتاج وتسريح العمال، فيدخل الاقتصاد في دائرة تباطؤ يصعب كسرها.
ببساطة، الانكماش لا يعني فقط أن الأشياء أصبحت أرخص، بل يعني أن النشاط الاقتصادي نفسه بدأ يفقد زخمه، حيث يصبح المال أقوى لكن حركة السوق أضعف، وهو ما يهدد الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
أسباب التضخم والانكماش
من يتابع حركة الاقتصاد من الداخل يعرف أن التضخم لا يأتي مرةً واحدة، بل يتراكم من عدة عناصر تبدأ صغيرة ثم تلتقي لتصنع موجة ارتفاع عامة في الأسعار، أما عن الانكماش فهو لا يبدأ من الأسعار بل من السلوك، من لحظة يتحول فيها الخوف وعدم اليقين إلى قرار جماعي يدفع الأشخاص لتقليل الإنفاق، وفيما يلي نتعرف على كل من أسباب التضخم والانكماش.
أولًا: أسباب التضخم
- عندما يزيد طلب الناس والشركات على السلع والخدمات أسرع من قدرة المصانع على الإنتاج، تصبح السلع أقل مما يريده السوق فتبدأ الأسعار في الارتفاع، ليس لأن المنتجات أفضل بل لأن المعروض لم يعد يكفي الجميع.
- حين ترتفع الأجور أو تزيد أسعار الطاقة أو تصبح المواد الخام أغلى، لا تستطيع الشركات تحمّل هذه الزيادات لفترة طويلة، فتضيفها إلى أسعار منتجاتها ليشعر المستهلك بارتفاع الأسعار بشكل مباشر.
- عندما يتم ضخ كميات كبيرة من النقود في السوق دون أن يقابلها توسّع في الإنتاج، يتوفر مال أكثر لشراء نفس كمية السلع، فتبدأ الأسعار في الصعود لأن قيمة العملة نفسها تضعف.
- عندما ترتفع أسعار النفط أو تتغير أسعار العملات أو تزيد تكلفة الاستيراد، تنتقل هذه الزيادات إلى داخل السوق المحلي، فترتفع تكلفة الإنتاج وتلحق بها أسعار السلع والخدمات.
- حين يتوقع الناس أن الغلاء قادم، يطالب الموظفون برواتب أعلى، وترفع الشركات أسعارها مسبقًا، ويسارع المستهلكون بالشراء، فتتحول هذه التوقعات إلى سبب حقيقي يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
ثانيًا: أسباب الانكماش
- عندما يقلق الناس على وظائفهم أو دخلهم يخفضون الاستهلاك ويرفعون الادخار، فبالتالي يقل الشراء، وتبدأ الأسواق في الامتلاء بالسلع التي لا تجد من يشتريها، فتبدأ الأسعار في الانخفاض.
- في الوقت نفسه، تدخل الشركات في حالة دفاعية تدفعها إلى خفض الإنتاج وتقليص التوظيف وتأجيل الاستثمارات، ومع كل خطوة من هذه الخطوات، يضعف الدخل في الاقتصاد أكثر، فيتراجع الطلب مرة أخرى.
- عندما تكون الأسر والشركات مثقلة بالقروض، يذهب جزء كبير من الدخل إلى السداد بدل الإنفاق، فينكمش الطلب حتى لو كانت الأسعار منخفضة.
- عندما تقل الاستثمارات وتنخفض السيولة، بينما يبقى العرض مرتفع، يصبح هناك فائض سلع يقابله نقص في القوة الشرائية، فتتجه الأسعار إلى الهبوط.
- رفع أسعار الفائدة، تشديد الائتمان، أو تقليص الإقراض يقلل حركة الأموال. وإذا جاء مع ذلك تقشف حكومي، وخفض الإنفاق العام أو زيادة الضرائب، يتقلص الطلب الكلي أكثر.
- المنافسة الدولية، التغيرات في السياسات التجارية، وانتشار السلع المستوردة الرخيصة يمكن أن يضغط على الأسعار المحلية.
- عندما تنخفض تكاليف الإنتاج بسرعة بسبب التكنولوجيا، بينما لا ينمو الطلب بنفس الوتيرة، تتجه الأسعار إلى الانخفاض.
الفرق بين التضخم والانكماش
عندما ننظر إلى حركة الأسعار في أي اقتصاد، لا نجدها تتحرك في اتجاه واحد دائمًا، بل تتأرجح بين قوتين متعاكستين: قوة تدفع الأسعار إلى الصعود وأخرى تشدّها نحو الهبوط، هاتان القوتان هما التضخم والانكماش، وكل واحدة منهما تترك بصمتها الخاصة على قيمة النقود، فيما يلي نستعرض مقارنة بين التضخم والانكماش لفهم كيف يتحرك مستوى الأسعار وكيف تتغير قيمة النقود بين فترات الصعود والهبوط في الاقتصاد:

الركود الاقتصادي وعلاقته بـ التضخم والانكماش
الركود الاقتصادي هو مرحلة يعيش فيها الاقتصاد تراجعًا واضحًا في النشاط العام لفترة تمتد عادة لعدة أشهر أو أكثر، خلال هذه المرحلة، يتباطأ الإنتاج الصناعي وينخفض الناتج المحلي الإجمالي وتتراجع الاستثمارات والإنفاق الاستهلاكي، بينما ترتفع معدلات البطالة وتضعف فرص العمل، فيصبح الأفراد والشركات مضطرين لتقليل ساعات العمل، أو خفض الرواتب، أو حتى اللجوء لتسريحات، مما يزيد الضغط على القوة الشرائية ويضعف الإنفاق ويضع الاقتصاد في دائرة من التباطؤ المستمر.
علاقة الركود بالتضخم
علاقة الركود بالتضخم معقدة وغالبًا ما يخطئ الكثيرون في فهمه. في بعض الحالات، يمكن أن يرافق الركود ارتفاع مستمر في الأسعار ما يعرف بالركود التضخمي. هنا بالرغم من انخفاض النشاط الاقتصادي تستمر الأسعار في الصعود نتيجة لعوامل متعددة مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج أو توقعات التضخم لدى الشركات والمستهلكين. هذا الوضع صعب جدًا على صانعي السياسات، لأن أي محاولة لتحفيز الطلب قد تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية بدل تخفيف الركود.
علاقة الركود بالانكماش
أما الانكماش، فهو الوجه الآخر للركود وغالبًا ما يكون أكثر خفاءً وخطورة، في فترات الانكماش يقل الطلب الكلي ويضعف الإنتاج، وتنخفض الأسعار تدريجيًا، لكن هذا الانخفاض قد يحفز المستهلكين على تأجيل الشراء على أمل الحصول على أسعار أفضل مستقبلًا، ما يفاقم ركود النشاط الاقتصادي ويخلق حلقة من التراجع المستمر. في حالات الركود العميق، يمكن أن تتحول الدورة الاقتصادية إلى انكماش حقيقي، حيث تصبح الأسعار في انخفاض مستمر نتيجة ضعف الطلب، ويصبح من الصعب على الشركات تحفيز النشاط أو الاستثمار.
علاقة معدل التضخم بمؤشر أسعار المستهلك
عندما نتحدث عن التضخم غالبًا ما نشير إلى ما يعيشه المستهلك في حياته اليومية، أي زيادة الأسعار على السلع والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الجميع، مثل الغذاء والطاقة والملابس والنقل والاتصالات.
هذه الزيادات في الأسعار تُقاس بشكل رئيسي من خلال مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، الذي يجمع أسعار مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات ليعطي صورة شاملة عن التغيرات التي تؤثر على القوة الشرائية للأفراد.
معدل التضخم يُستنتج عادةً من مقارنة قيمة هذا المؤشر بين فترتين زمنيتين متتاليتين ليعكس نسبة التغير في الأسعار خلال فترة معينة.
هناك أنواع مختلفة للتضخم تستند إلى المؤشر نفسه:
– التضخم الأساسي: يستبعد السلع الأكثر تقلبًا مثل الغذاء والطاقة، لذا غالبًا ما يكون أقل من معدل تضخم أسعار المستهلك العام.
– تضخم أسعار الأصول: يحدث عندما ترتفع أسعار منتجات محددة، مثل العقارات أو الإيجارات أو السلع الفاخرة، لفترة طويلة، وهو يختلف عن التضخم الذي يشعر به المستهلك يوميًا.
كيف يمكن للحكومات محاربة التضخم؟
مواجهة التضخم ليست مجرد رفع أو خفض الأسعار، بل فن دقيق يحتاج إلى مزيج من السياسات النقدية والمالية والاجتماعية والهيكلية لضبط الأسعار والحفاظ على استقرار الاقتصاد، من أهمها:
-
- السياسات النقدية:
رفع أسعار الفائدة يقلل الاقتراض والإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، ما يخفف الضغط على الطلب ويحد من ارتفاع الأسعار، كما يمكن للبنك المركزي تقليص العرض النقدي عبر بيع الأوراق المالية أو رفع نسب الاحتياطي للبنوك، للتحكم في السيولة ومنع التضخم. - السياسات المالية:
خفض الإنفاق الحكومي يقلل الضغط على الطلب الكلي، بينما زيادة الضرائب تخفض الدخل المتاح للمستهلكين، فتقلل الإنفاق المفرط. لكن يجب الحذر من الإفراط لتجنب التأثير السلبي على النمو أو تفاقم الركود. - التدخل المباشر في الأسعار:
يمكن وضع سقف للأسعار على منتجات محددة، كما فعلت بعض الدول الأوروبية مع أسعار الطاقة. كما أن تخفيض أو تعليق ضريبة القيمة المضافة على منتجات أساسية يقلل مباشرة تكلفة المعيشة، شرط أن تمرر الشركات هذا الانخفاض للمستهلكين، كما حدث في ألمانيا مع الغاز الطبيعي. - دعم القوة الشرائية للمواطنين:
تعديل المعاشات والمزايا الاجتماعية لتواكب التضخم يحمي مستوى المعيشة ويحد من تفاقم الركود. كذلك، رفع الأجور بما يتناسب مع التضخم يحافظ على القوة الشرائية، خاصة إذا دعمت النقابات زيادة الأجور بما يتجاوز مجرد التعويض لتواكب نمو الإنتاجية. - السياسات الهيكلية والعرضية:
تحسين كفاءة الإنتاج وتوسيع القدرة الإنتاجية يقلل ضغوط التضخم الناتجة عن نقص المعروض. تعزيز المنافسة يحد من هيمنة الشركات الكبرى على الأسعار، والإصلاحات التشريعية والرقابية توفر بيئة مستقرة وتقلل من المضاربات. - التنسيق الدولي:
نظرًا لتأثر الأسواق المحلية بالسياسات العالمية، يساعد التنسيق مع البنوك المركزية والهيئات الدولية في تقليل تأثير العوامل الخارجية على التضخم المحلي.
- السياسات النقدية:
خاتمة
التضخم والانكماش ليسا مجرد أرقام، بل انعكاس حقيقي لتوازن السوق وقوة النقود، فهمهما يمكّن الأفراد وصناع القرار من التعامل مع الأسعار بحكمة وحماية القوة الشرائية، وفي نفس الوقت الحفاظ على استقرار الاقتصاد ونموه. تابعوا مقالاتنا في مدونة LDN لتتعرفوا على كل ما يخص عالم الاقتصاد والتداول، وتبقوا دائمًا على اطلاع على أهم التحليلات والفرص السوقية.




