شهدت سوق الذهب ضغوطًا بيعية قوية مع مطلع الأسبوع، لتواصل الأسعار التراجع الحاد الذي بدأ في الجلسة السابقة، في ظل اتجاه المستثمرين إلى تأمين مكاسبهم بعد الارتفاعات القياسية الأخيرة، بالتزامن مع إعادة تسعير الأسواق لتداعيات القرار المرتبط برئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
الذهب الفوري هبط بنحو 5% ليقترب من مستوى 4,586 دولارًا للأونصة، بينما تراجعت عقود أبريل الآجلة إلى حدود 4,703 دولارات. ويأتي هذا التحرك بعد جلسة الجمعة العنيفة التي فقد خلالها المعدن قرابة 10% من قيمته، متراجعًا بقوة عن القمة التاريخية التي لامسها الأسبوع الماضي قرب 5,600 دولار للأونصة، في إشارة واضحة إلى دخول السوق مرحلة تصحيح بعد حالة تشبع شرائي واضحة.
الضغوط لم تقتصر على الذهب وحده، بل امتدت إلى باقي المعادن النفيسة، حيث تعرضت الفضة لموجة بيع قوية تجاوزت 7%، فيما تراجع البلاتين بنحو 4%. هذا الأداء يعكس خروج سيولة واسع النطاق من قطاع المعادن، وليس مجرد تحرك محدود أو تصحيح فني عابر.
العامل الرئيسي وراء هذا التحول تمثل في إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترشيح كيفن وورش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفًا لـ جيروم باول مع انتهاء ولايته في مايو. هذا الإعلان أنهى فترة من الضبابية كانت تدعم الطلب على الذهب كملاذ آمن، وفتح الباب أمام عمليات جني أرباح مكثفة عند مستويات سعرية مرتفعة.
في الوقت نفسه، أثارت شخصية المرشح الجديد مخاوف إضافية في الأسواق، إذ يُنظر إلى وورش باعتباره من أكثر الأسماء تشددًا تجاه التضخم بين المرشحين، وهو ما يقلل من احتمالات اللجوء إلى سياسة نقدية شديدة التيسير على المدى المتوسط. ورغم توافقه في فترات سابقة مع الدعوات لخفض أسعار الفائدة، فإن مواقفه الرافضة لبرامج التيسير الكمي عززت توقعات ببيئة نقدية أقل دعمًا للذهب.
تزامن ذلك مع تعافي الدولار الأمريكي من أدنى مستوياته في أربع سنوات، ما زاد من الضغط على أسعار المعادن المقومة بالعملة الأمريكية، ودفع المستثمرين إلى إعادة توزيع مراكزهم بعيدًا عن الذهب في الأجل القصير. وعلى الرغم من هذا التراجع الحاد، لا يزال الأداء الشهري للذهب إيجابيًا، إذ أنهى يناير على مكاسب تقارب 15%، مدفوعًا بتصاعد المخاطر الجيوسياسية خلال الأسابيع الماضية، والتي عززت الإقبال على الأصول الآمنة.
غير أن هذا الدعم بدأ يتآكل مع تزايد الحديث عن قنوات تفاوض محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، ما خفف من حدة المخاوف الجيوسياسية التي كانت أحد المحركات الرئيسية لصعود الذهب مؤخرًا. تقارير إعلامية أشارت إلى جهود لترتيب لقاءات غير مباشرة بين الجانبين، في وقت أكد فيه الرئيس الأمريكي وجود محادثات جادة بشأن الملف النووي الإيراني.
في هذا السياق، يتحول تركيز الأسواق خلال الأيام المقبلة إلى البيانات الاقتصادية الأمريكية، وعلى رأسها تقرير الوظائف غير الزراعية، لما له من دور محوري في تشكيل توقعات أسعار الفائدة. وحتى تتضح هذه المعطيات، يبقى الذهب معرضًا لمزيد من التقلبات، مع ترجيح استمرار التحركات التصحيحية ما لم تظهر محفزات جديدة تعيد الزخم الصعودي للمعدن الأصفر.
ويرى JP Morgan أن الاتجاه العام للذهب ما زال صاعدًا على المدى المتوسط، مدفوعًا بطلب قوي ومستمر من البنوك المركزية إلى جانب المستثمرين، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستوى 6,300 دولار للأونصة قبل نهاية العام. هذا التقييم يستند إلى مسار هيكلي واضح لتنويع الاحتياطيات، لم يصل بعد إلى نقطة التشبع.
وفي مذكرته البحثية، أشار البنك إلى أن جاذبية الذهب لا تزال قائمة في بيئة تتفوق فيها الأصول الحقيقية على الأصول الورقية، مع استمرار توجه المستثمرين والمؤسسات الرسمية نحو التحوط وتنويع المراكز. كما رفع البنك توقعاته لمشتريات البنوك المركزية إلى 800 طن في عام 2026، مؤكدًا أن وتيرة التنويع ما زالت نشطة ولم تُستنفد.
أما الفضة، فتبنّى البنك تجاهها موقفًا أكثر حذرًا. فعلى الرغم من تداولها قرب 80 دولارًا للأونصة منذ أواخر ديسمبر، يرى البنك أن العوامل الداعمة للصعود باتت أقل وضوحًا مقارنة بالذهب. وقد تراجعت الفضة بأكثر من 6% في جلسة الاثنين إلى نحو 78.9 دولارًا، بعد أن كانت قد سجلت قمة قياسية عند 121.6 دولارًا قبل أيام قليلة.
ويُضاف إلى ذلك أن الفضة تفتقر إلى دعم هيكلي من البنوك المركزية عند التراجعات، على عكس الذهب، ما يفتح المجال لاحتمال اتساع نسبة الذهب إلى الفضة خلال الفترة المقبلة. ومع ذلك، لا يستبعد البنك أن تحافظ الفضة على أرضية سعرية أعلى نسبيًا في الوقت الراهن، ضمن نطاق 75–80 دولارًا للأونصة، مرجحًا ألا تتخلى بالكامل عن مكاسبها حتى بعد موجة التصحيح الحالية.
كن على إطلاع بالأسواق العالمية من خلال تحليلاتنا السابقة كما يمكنك الاستفادة الآن من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


